صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
11
تفسير القرآن الكريم
الموصل إلى توحيد ذاته ومعرفة صفاته وآياته بالدلالات الواضحة ، والبراهين الزاهرة الدالة على وحدانيته وتنزيهه ذاتا وصفة وفعلا عن مشابهة خلقه وصنعه وقطع عذرهم وأزاح عللهم ، حيث أمرهم بالنظر والاعتبار في كتابه المنزل من السماء بأكثر من أربع مائة آية تصريحا وتلويحا ، وجعل بناء الصدق في الأحكام الاعتقادية على البرهان حيث قال : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ 2 / 111 ] ومدح الناظرين والمتأملين الذين عرفوه ودعوا الخلق إلى معرفته بآياته ، فقال عز من قائل : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ اعلاما بأن الموحدين بعد اللّه وملائكته هم أولوا العلم من الناس . ومما يدل على أن القائل بنبوة رسوله صلى اللّه عليه وآله هم العلماء دون غيرهم قوله : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [ 34 / 6 ] إذ كل عارف بشيء لا يعرفه الا بما في نفسه من معناه ، فمن لم يكن له حظّ من العلم ونصيب من المعرفة لا يعرف العالم وعلمه ، لخلوه عما يمكن به معرفته ، ولذلك قال : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ 13 / 19 ] اعلاما بأن المؤمنين المصدقين للرسالة وانزال القرآن من اللّه إلى الرسول هم العلماء بالحقيقة دون غيرهم من العوام والمقلدين . وحكي أيضا عن خيار رسله وامنائه على خلقه استعمالهم طريق البرهان فيما يستكمل به نفوسهم وذواتهم ، واليه أشير بقوله في حق يوسف الصديق - على نبينا وآله وعليه السلام - : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [ 12 / 24 ] . وحكي أيضا عنهم اشتغالهم بطريق المباحثة والجدل مع من ليس له رتبة البرهان والمكاشفة ، لأنه غوى عن المحجّة وضل وعدل عن الطريق الأمثل وأضل ، وهي احدى الصناعات الخمسة المشهورة في فن الميزان ، الذي هو